ابن فرحون
63
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )
الشيخ وكونه لم يقبل الفقراء ، ولم يعزّ عليه وقوفهم بين يديه كاشفين رؤوسهم ، وقبل شفاعة ابن أبي النصر ، فجمعوا خواطرهم عليه فمرض من حينه ، واشتكى حتى طلب منهم التحليل والرضا ، فنفد سهمهم وانقضى فيه الأمر فقضى . أخبرني أقضى القضاة جمال الدين المطري - وكان ملازما خدمتهم لأن مسكنه في الحجرة التي عند باب رباطهم - : أنّ الشيخ أبا محمد لما دخل مكة المشرفة قصد زيارة الشيخ نجم الدين الأصبهاني « 1 » ، فلما جلس إليه أراد أن يسأل الشيخ نجم الدين عن اسمه ، فبدره الشيخ نجم الدين ، وقال له : اسمي مكتوب بين عينيك ، ففهم الشيخ مقاله ، وأنه كاشفه ، وأن اسمه كاسمه عبد اللّه رحمهما اللّه . ولما عزمت على التوجه إلى مكة المشرفة في طريق المشيان في حال الشبوبية ، أظنّه عام عشر وسبعمائة ، جاء والدي إلى الشيخ أبي محمد فأخبره بعزيمتي . فقال له : ابعثه إليّ ، فجئته . فقال : بلغني أنك تريد مكة المشرفة . فقلت : نعم يا سيدي ، لأجل العمرة في رمضان . فقال لي : من رفيقك ؟ فذكرت له جماعة من الفراشين وغيرهم . فقال لي : ليس في هؤلاء من هو من جنسك ولا من يليق بك ، ولكن اصبر قليلا حتى ننظر لك . فقلت له : ضاق الوقت ، وقد دخل شهر رمضان ومضى أكثره . فقال لي : اسمع ما أقول لك ، فذهبت عنه ووثقت بوعده ، فما كان إلا قليلا إذ ورد المدينة زائرا الشيخ محمد بن عمران الخضري وجماعة من الصالحين ، فدعاني الشيخ وقال لي : سافر مع هذا ، فسافرت معهم ، فرأيت
--> ( 1 ) لعله الشيخ عبد اللّه بن محمد بن محمد الأصبهاني ، نجم الدين الشافعي : ولد سنة ثلاث وأربعين وستمائة ، صحب أبا العباس المرسي والعماد الحرامي ، كان عابدا صالحا وللناس فيه اعتقاد ، مات في جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة . ترجمته في : « الدرر الكامنة » 2 / 302 ( 2231 ) ، « شذرات الذهب » 8 / 101 ، « العقد الثمين » 5 / 271 ( 1626 ) .